نخبة من الأكاديميين
866
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
والزوال ، والانتقال . وقد أضاف الكندي " الإبداع " إلى هذه القائمة ، على ما يقوله التوحيدي : " قال الكندي : وها هنا حركة أخرى ، وهي حركة الإبداع ، إلا أن بينها وبين حركة الكون فرقاً ، لأن هذه لا من موضوع ، وحركة الكون من فساد جوهر قبله بحدوثه ، ولذلك قيل : إن الكون خروج من حال خسيسة إلى حال نفيسة " . هذه الحركة تتعارض إذن مع الكون الأرسطي بما يستخرج الكون من اللاكون ، أي أنه يحدث جوهراً دون أن يستخرجه من حامله ( substrat ) ، في حين أن الكون ليس غير استبدال صورة بصورة أخرى على حامل موجود قبلًا . والأكيد أن الإبداع ، في نظر الكندي ، يتم دفعة واحدة ، بينما الكون هو سيرورة في الزمان . وعلى ذلك يكون الله قد أبدع العالم دفعة واحدة ، الأمر الذي لا يستوجب وجود الزمان قبل العالم . وهذه الأطروحة التي يقدمها الكندي تستدعي ، بذاتها ، نظراً أكثر عمقاً في بنية المتصل ، أي دراسة أكثر دقة للكتابين الخامس والسادس من " طبيعيات " أرسطو ، حيث أنه من غير المؤكد أن يكون الكندي نفسه قد أجرى هذه الدراسة بالشكل المطلوب . ب ) ثابت بن قرة نلحظ في أيام الكندي عرض أفكار قريبة بشكل كاف عن أصلح العوامل عند عالم الرياضيات ثابت بن قرة ، فهو أيضاً يفسر العالم ، في سلسلة من النصوص ، على أنه من إملاء مبدأ الأصلح . فالعلة الحقيقية الوحيدة في تفسير الطبيعة هي ، بحسب ثابت ، العلة الغائية : بما أن الله جعل الأشياء بشكلها الأصلح ، فإنه يعود لنا أن نلقي الضوء على السبب في كون ذلك الوضع المعطى هو الأصلح . وبالانطلاق من هذا المبدأ البسيط ، يحدد ثابت بوضوح هو الأول من نوعه في التاريخ ، مبدأ الإمكان بالمعية ( compossibilite ) الذي يدخله في جميع ما احتفظ به من شروحاته حول نشوء العالم . فعلى وجه العموم ، يقرر ثابت أن مبدأ الكمال هو في الشكل الدائري الذي أدخل فيه الله خللًا من أجل إحداث كمالات أخرى . لكنه أدخل فيه الخلل إلى أدنى حد ممكن من أجل التوصل إلى أقصى حد ممكن من الكمال في أدنى حد ممكن من النقص . إليكم ، على سبيل المثال ، ما يقوله السجستاني ، بهذا الخصوص ، في صيوان الحكمة : " قال : فقد وجدنا لبعض الأشكال في أمر من الأمور الطبيعية الحقيرة موقعاً ظريفاً دلنا أنه قد لحق ذلك الأمر - مع صغر شأنه - من آثار القصد والعناية والحكمة ما لا غاية وراءه في الإتقان ، وهو الشكل المسدس . وذلك أننا تأملنا البيوت التي ينشئها النحل من الشمع فوجدناها كلها مسدسة . فلما تدبرنا الأمر في ذلك وفكرنا في السبب فيه وجدناه من أعجب الأمور وأدلها على غاية العناية . وذلك أنه كان يحتاج في هذه البيوت إلى أن تكون متساوية وإلى أن تكون أوسع ما يمكن أن تكون عليها ، وإلى أن يكون شكلها شكلًا تشحن به العرصة وتملأها ولا يوقع فيما بينها فرجاً تذهب ضياعاً ، فكانت الحاجة إلى السعة تدعو إلى أن تصير هذه البيوت مستديرة ، لأن الشكل المدور أوسع من كل شكل ذي زوايا لمحيطه تساوي بساقين محيطه . إلا أنه لو جعلت أشكال هذه البيوت مستديرة لما ملأت العرصة ولا شحنتها ولضاع في خلال كل عدة منها فرج لا ينتفع بها . فعدل لذلك عن الشكل المدور